الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
239
تفسير روح البيان
عليه الجملة اى معنى قوله انها لاحدى الكبر أي كبرت مندرة وحذف التاء مع أن فعيلا بمعنى فاعل يفرق فيه بين المذكر والمؤنث لكون ضمير انها في تأويل العذاب أو لكون النذير بمعنى ذات إنذار على معنى النسب كقولهم امرأة ظاهر اى ذات طهارة لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ بدل من للبشر بإعادة الجار وان يتقدم مفعول شاء ومنكم حال من من اى نذيرا لمن شاء منكم ان يسبق إلى الخير والجنة والطاعة فيهديه اللّه أو لم يشأ ذلك ويتأخر بالمعصية فيضله وفيه إشارة إلى أن لكسب العبد دخلا في حصول المرحومية والمحرومية وفي التأويلات النجمية اقسم بنور قمر الشريعة الزهراء وبظلمة ليل الطبيعة الظلماء وبصبح الحقيقة البيضاء حين غلبت على غلس الطبيعة ان الجبود مظاهر احدى هذه المراتب الكلية الكبرى اما أهل الشريعة واما أهل الحقيقة واما أهل الطبيعة وقوله نذيرا للبشر اى جعلنا الحصر في المراتب الثلاث الكلية ليتنبه الإنسان ويحترز أن يكون من أهل الانذار لمن شاء منكم ان يتقدم إلى مقام الشريعة أو يتأخر إلى مقام الطبيعة ولما كان مقام الحقيقة أعلى المراتب ولم يصل اليه الا النذر من الكمل اعرض عن ذكره انتهى ويجوز أن يكون أهل الحقيقة داخلا في ان يتقدم لأنه وأهل الشريعة كل منهما من المتقدمين وان كان بينهما فرق في التقدم وتفاوت في السير والمسارعة والحاصل الا أهل ان ستعداد تقدموا باكتساب الفضائل والخيرات والكمالات إلى مقام القلب والروح والسر واما غيرهم فتأخروا بالميل إلى البدن وشهواته ولذاته فوقعوا في ورطة الطبيعة كُلُّ نَفْسٍ من نفوس الانس والجن المكلفين بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ مرهونة عند اللّه بكسبها محبوسة ثابتة وفي بعض التفاسير بسبب ما كسبت من الأعمال السيئة من رهن الشيء اى دام وثبت وارهنته اى تركته مقيما عنده وثابتا والرهن ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك والمرتهن هو الذي يأخذ المرهون ونفس المكلف محبوسة ثابتة عند اللّه بما أوجبه عليه من التكاليف التي هي حق خالص له تعالى فان أداها المكلف كما وجبت عليه فك رقبته وخلص نفسه والا بقيت نفسه مرهونة محبوسة عنده وقال بعضهم الرهينة اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم على أن تكون التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية وفي فتح الرحمن للمبالغة أو على تأنيث اللفظ لا على معنى الإنسان ونحوه وليس اى الرهينة صفة والا لقيل رهين لان فعيلا بمعنى مفعول لا تدخله التاء بل يستوى فيه المذكر والمؤنث الا ان يحمل على ما هو بمعنى الفاعل فإنه يؤتى في مؤنثه بالتاء كما في عكسه في قوله تعالى ان رحمة اللّه قريب من المحسنين قال الراغب قيل في قوله كل نفس بما كسبت رهينة انه فعيل بمعنى فاعل اى ثابتة مقيمة وقيل بمعنى مفعول اى كل نفس مقامة في جزاء ما قدم من عملها ولما كان الرهن يتصور من حبسه استعير ذلك للمحتبس اى شئ كان إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ استثناء متصل من كل نفس لكثرتها في المعنى وأصحاب اليمين أهل الأعمال الصالحة من المؤمنين اى فإنهم فاكون رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم كما يفك الراهن رهنه بأداء الدين قال القاشاني كل نفس بمكسوبها رهن عند اللّه لا فكاك لها لاستيلاء هيئات أعمالها وآثار افعالها عليها ولزومها إياها وعدم انفكاكها